محمد علي سلامة

143

منهج الفرقان في علوم القرآن

ثانيا : كون « كتب » بمعنى أمر خلاف الظاهر وقد نقل النووي عن عياض أن قوله في الرواية التي ذكرناها « ولا يحسن يكتب فكتب » كالنص في أنه صلى اللّه عليه وسلّم كتب بنفسه فالعدول عنه إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه . ثالثا : لم لا يجوز أن يكون قوله تعالى « من قبله » راجعا إلى ما بعد أيضا وهو « ولا تخطه » وكونه غير مطرد لا ينفى الجواز المؤيد بما ذكر من حديث الحديبية ويصير المعنى وما كنت قبل إنزال الكتاب تتلو كتابا وما كنت قبل إنزال الكتاب تخطه بيمينك ، ونفى ذلك قبل نزول الكتاب لا يستلزم عدم القدرة على التلاوة والخط بعده بل قد حصلت التلاوة بعد النزول فكذلك الخط ولا ضرر فيه . رابعا : تأويل حديث الإسراء المتقدم أيضا باحتمال الإقدار أو أن فيه مقدرا خلاف الظاهر أيضا من غير ضرورة . وبهذا يثبت جواز أنه صلّى اللّه عليه وسلّم عرف القراءة والكتابة بعد نزول القرآن والتحدي به وأنه لا مانع من ذلك عقلا وإنما قلنا إن الذي ثبت « الجواز » لأن أدلة الفريقين المتخالفين التي تقدمت لا يفيد كل منها اعتقادا في جانب الإيجاب أو السلب وهذا المقام لا يكفى فيه سوى اليقين فالواجب اعتقاده أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان أميا في بدء أمره وأول نزول الوحي عليه أما استمرار الأمية أو انقطاعها بتعلم الكتابة فلم يقم عليه دليل قاطع بل كلها أدلة محتملة . وعلى كل حال فثبوت كون رسم المصحف توقيفيا لا يتوقف على تعلمه صلّى اللّه عليه وسلّم الكتابة لأنه إن ثبت أنه تعلمها فيما بعد فظاهر وإلا فقد كان يعلمها بطريق الوحي فكان يأمر بكتابة القرآن ورسمه كما يعلمه جبريل ومع ذلك فلا نزاع في ثبوت تقريره صلّى اللّه عليه وسلّم على الرسم ، وتقريره على ذلك كاف في أن الرسم توقيفى . وقد تلخص أن رسم المصحف ثابت بإجماع الصحابة وبتوقيف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم .